عبر الأقمار الصناعية.. انخفاض المياه خلال السنوات الأربع الماضية

حسام صبحي

تواجه الموارد المائية في العراق تحديات حرجة تهدد استدامتها ولها تأثير عميق على سبل عيش السكان والبيئة، وفي السنوات الأربع الماضية، شهدت البلاد انخفاضا مقلقا للغاية في مصادر المياه وتدهور ملحوظ في نوعية المياه، مما أثر على جدوى الزراعة في بعض المناطق.
يقع العراق في مركز أزمة الجفاف العالمية، وهي تحتل المرتبة الخامسة بين الدول الأكثر عرضة للخطر في العالم، من حيث تغير المناخ.

تخسر البلاد، ما يقدر بنحو 8-12 مليارا متر مكعب من المياه السطحية سنويا بسبب التبخر، وحتى مع تحول الحرارة المتزايدة مياه العراق إلى بخار، فإن المياه المتدفقة أقل إذ تتضاءل تدفقات نهري دجلة والفرات بسبب سياسات الدول المجاورة ومشاريعها التنموية على هذين النهرين وروافدهما.

علاوة على ذلك، فإن سوء إدارة المياه الداخلية- بما في ذلك المشاريع الزراعية والمزارع السمكية غير المسجلة- يؤدي إلى تفاقم الوضع. ويشرف على سوء الإدارة هذا فرد يفتقرون إلى ترخيص عملهم من السلطات المعنية، مثل وزارة الزراعة، ووزارة البيئة، ووزارة الموارد المائية.
إن التكاليف الإنسانية المترتبة على أزمة المياه في البلاد واضحة بالقدر الكافي، فهي تتراوح بين المياه الملوثة التي أصابت الآلاف بالمرض، إلى المزارع المهجورة، والهجرة الجماعية، وتدمير النظم البيئية. وهنا أعرض منظورا مختلفا ومهما: منظر من مدار الأرض. تكشف صور الأقمار الصناعية التدهور المذهل واختفاء الموارد المائية في العراق، بالإضافة إلى بعض الحقائق حول أسباب الأزمة.

الخزانات الاستراتيجية والبحيرات الطبيعية
تلعب البحيرات والخزانات التي تشكلها السدود دورا حاسما باعتبارها مصادر حيوية للمياه في العراق. كما أنها بمثابة مؤشرات مهمة لتقلب ظروف المياه، وتوفير نظرة ثاقبة لاحتياطيات المياه الاستراتيجية في البلاد.

وعلى مدى السنوات الأربع الماضية، كان هناك انخفاض ملحوظ في منسوب المياه في معظم هذه البحيرات والخزانات الاستراتيجية. ويمكن أن يعزى هذا الانخفاض إلى انخفاض تدفقات المياه، وتأثير تغير المناخ، واستنزاف مياه البحيرات الناتج عن الأنشطة البشرية، بما في ذلك إنشاء البحيرات الاصطناعية. ومن الأمثلة على هذه البحيرات حمرين، إلى جانب البحيرات الطبيعية مثل الحبانية في محافظة الأنبار، والرزازة (ثاني أكبر بحيرة في العراق، وتمتد بين كربلاء والأنبار)، وساوه في المثنى، والثرثار في شمال غرب محافظة صلاح الدين، وشمال الأنبار، ودوكان في كردستان العراق.
تكشف الصور التي التقطتها الأقمار الصناعية “Sentinel Hub”، باستخدام مؤشر اختلاف المياه الطبيعي (NDWI) لرصد بقع المياه، عن انخفاض كبير في مستويات المياه في بحيرة القادسية، وهي بحيرة من صنع الإنسان على نهر الفرات في الأنبار. وتبلغ مساحة هذه البحيرة خمسمائة كيلومتر مربع وسعة تخزينية تبلغ 8.2 مليارات متر مكعب، وتتمتع بأهمية استراتيجية باعتبارها الخزان الرئيسي لسد حديثة.

تعتبر بحيرة القادسية رابع أكبر بحيرة في العراق. ومع ذلك، تواجه البحيرة حاليا انخفاضا حادا في تدفقات المياه، كما موضح في صورة رقم “1”.

بحيرة القادسية في تموز/يوليو 2019 (يسار) وتموز/يوليو 2023 (يمين). المصدر: SENTINEL HUB SATELLITES (متصفح EO)، صور NDWI

 

 

 

 

 

 

 

 

شهد العراق تغيرات مناخية ملحوظة، بما في ذلك انخفاض كبير في هطول الأمطار. وإلى جانب معدلات التبخر المتصاعدة، كان لهذه العوامل تأثير عميق على المشهد الطبيعي. كشفت صور الأقمار الصناعية عن اختفاء مخيف لبحيرة ساوة في محافظة المثنى. بحيرة ساوة هي بحيرة طبيعية تبلغ مساحتها حوالي اثني عشر كيلومترا مربعا، تغذيها طبقة مياه جوفية متصلة بنهر الفرات. ورغم التقارير السابقة عن جهود المحافظة لإعادة المياه إلى البحيرة في مايو/ أيار 2022، إلا أن الصور الأخيرة المتداولة في وسائل الإعلام العراقية والدولية تشير إلى اختفاء البحيرة بشكل شبه كامل. وهذا بمثابة مثال صارخ على خطورة أزمة المياه وآثارها الضارة على النظم البيئية في المنطقة، كما موضح في صورة رقم “2”.

بحيرة ساوة في يونيو 2019 (يسار) ويونيو 2023 (يمين). المصدر: SENTINEL HUB SATELLITES (متصفح EO)، صور ملونة حقيقية

تعتمد بحيرة ساوة بشكل كبير على المياه الجوفية كمصدر أساسي للتجديد. ولسوء الحظ، شهدت إمدادات المياه الجوفية أيضًا انخفاضًا بسبب عوامل مختلفة، بما في ذلك عدم كفاية هطول الأمطار، والاضطرابات الناجمة عن تغير المناخ، والحفر غير المنظم للآبار الارتوازية، وتزايد الطلب على هذه الآبار مع تفاقم أزمة المياه.

ونتيجة لذلك، أدى انخفاض هطول الأمطار، والاضطرابات المناخية، وحفر الآبار غير المنضبط إلى تفاقم ندرة المياه بشكل عام، مما أدى إلى استنزاف المياه الجوفية. تُظهر حالة بحيرة ساوا الترابط بين القضايا التي تساهم في أزمة المياه، وبالتالي الحاجة إلى اتخاذ تدابير شاملة لمعالجة أزمة المياه وتنظيم استخدام موارد المياه الجوفية.

 

الاهوار على حافة الهاوية

كما تواجه الأهوار الشهيرة في سهول نهري دجلة والفرات الفيضانية تحديات بيئية كبيرة، تتعلق في المقام الأول بالجفاف والتغير المناخي.

قام نظام صدام حسين بتجفيف الأهوار بشكل منهجي، لكن تم استعادتها جزئيًا إلى الحياة في عام 2006. وفي عام 2016، اعترفت اليونسكو بالأهوار، التي تستضيف ثقافة قديمة وتنوعًا بيولوجيًا فريدًا، كموقع للتراث العالمي .

ومع ذلك، فقد تم دفع الأهوار إلى حافة الهاوية بسبب ظروف الجفاف الشديدة. وقد أدى التصحر عند المنبع، وانخفاض التدفقات، وتغير المناخ، إلى تفاقم آثار الجفاف، وإجهاد النظام البيئي للأهوار.

الأهوار العراقية في آب/أغسطس 2019 (يسار) وآب/أغسطس 2023 (يمين). المصدر: الأقمار الصناعية SENTINEL HUB (متصفح EO)، صور ملونة حقيقية رقم “3”.

 

 

 

 

 

 

 

وتقدم صور الأقمار الصناعية دليلاً واضحاً على تضاؤل ​​المساحات الخضراء داخل الأهوار خلال السنوات الأربع الماضية، مع زيادة مماثلة في المناطق القاحلة. ويسلط هذا التحول الواضح الضوء على العواقب البيئية لندرة المياه لفترات طويلة وتغير الأنماط المناخية, كما في صورة رقم “3”.

إن معالجة صور الأقمار الصناعية باستخدام مؤشر الرطوبة الموحد (NDMI)، الذي يوضح الغطاء النباتي والمحتوى المائي، يحدد بشكل فعال انخفاض مستويات الرطوبة وتصاعد الجفاف داخل الأهوار. يتم تمثيل المناطق الرطبة بصريًا بألوان زرقاء نابضة بالحياة، بينما يتم تصوير المناطق الجافة من خلال ظلال صفراء وحمراء مميزة، كما في صورة رقم “4”.

 

الأهوار العراقية في حزيران 2019 وآب 2023 (يمين)، تظهر رطوبة عامة. المصدر: SENTINEL HUB SATELLITES (متصفح EO)، صور NDMI، صورة رقم “4”.

أزمة من صنع الانسان

وقد لعبت الأنشطة البشرية دورا ضارا في تدمير بحيرات العراق. وإلى جانب العوامل المذكورة أعلاه التي ساهمت في تراجعها، كان لعواقب الأفعال البشرية آثار خطيرة. وتشمل الأمثلة انخفاض إطلاق المياه من السدود في إيران، مما أدى إلى قطع أربعين من روافد نهر الفرات، وبناء السدود من قبل تركيا على طول الحدود العراقية، أدى أيضاً إلى تقليص موارد المياه بشكل كبير.

وتبرز بحيرة حمرين، وهي خزان اصطناعي تبلغ مساحته 340 كيلومترا مربعا في محافظة ديالى، بأنها عانت من هذه العوامل. وشهدت البحيرة انخفاضا بنسبة 80 بالمئة في منسوب المياه فيها، بحسب ما قاله ثائر عبيد، أستاذ علوم الهواء والبيئة في الجامعة المستنصرية. وفي مقابلات، أوضح عبيد هذا الانخفاض نتيجة لندرة المياه من نهر الوند في إيران، ومن سد دربنديخان في كردستان العراق، الذي يعتمد بشكل كبير على نهر الوند في العيش. علاوة على ذلك، ساهمت الأنشطة الزراعية والصناعية بشكل كبير في انخفاض المياه المتاحة. على سبيل المثال، جفت بحيرة الرزازة – وهي عبارة عن خزان مساحته 1500 كيلومتر مربع تم تشييده في السبعينيات – بسبب استنزاف المياه الجوفية القريبة بسبب حفر ما يقرب من 1,000 متر مربع.

 

الحاجة للعمل الشامل

تشكل برك الأسماك الاصطناعية والأراضي الزراعية غير المرخصة تحديات كبيرة تتطلب تعاونا قويا بين الدولة والمنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني. ومن الأهمية بمكان أن ينفذ العراق سياسات وإجراءات تنظيمية صارمة لمعالجة هذه المخاوف بطريقة مستدامة ومنصفة.

إن دور الحكومة في السيطرة على برك الأسماك الاصطناعية والأراضي الزراعية غير المرخصة ومراقبتها له أهمية قصوى. ولوزارة الزراعة صلاحية منح التراخيص والموافقات الرسمية لمثل هذه المشاريع. وقد تم إنشاء هذه التراخيص بناءً على إطار شامل يشمل مختلف الجوانب التي يتم التعامل معها بشكل مشترك من قبل وزارة الموارد المائية ووزارة البيئة.

وبحسب ابراهيم السوداني، الباحث العلمي في كلية علوم الطاقة والبيئة بجامعة الكرخ للعلوم، فإن الحكومة تتحمل مسؤولية وضع قوانين وأنظمة واضحة تحدد المعايير البيئية والصحية التي تحكم تشغيل وصيانة هذه المرافق. موارد. وشدد السوداني في حديث معي على أهمية عمليات التفتيش الدورية التي تقوم بها الحكومة للتأكد من الالتزام بهذه القوانين واللوائح. علاوة على ذلك، يعتقد السوداني أن الحكومة يجب أن تكون مستعدة لفرض عقوبات على المخالفين كوسيلة لفرض الالتزام بالمعايير المعمول بها.

علاوة على ذلك، يمكن للحكومة أن تعمل بشكل فعال على الترويج لأهمية الحفاظ على أحواض الأسماك الاصطناعية ومنع الأراضي الزراعية غير المصرح بها من خلال تنفيذ الحملات الإعلامية والمبادرات التعليمية. وتهدف هذه الجهود إلى رفع مستوى الوعي بين الجمهور حول قيمة هذه الموارد. بالإضافة إلى ذلك، فإن تشجيع مشاركة المجتمع في الحفاظ على هذه الموارد وحثهم على الإبلاغ عن أي انتهاكات يمكن أن يلعب دورًا حاسمًا في الحفاظ على سلامتها.

وتلعب المنظمات غير الحكومية أيضًا دورًا حاسمًا في مراقبة برك الأسماك الاصطناعية والأراضي الزراعية غير المرخصة. أخبرني أبو الحسن المسافر، مدير منظمة جلجاموس للبيئة، أن المنظمات غير الحكومية تساهم بالخبرة والمعرفة في الحفاظ على الموارد الطبيعية وتنفيذ البرامج والمشاريع البيئية. كما أنهم يسعون جاهدين لتعزيز الشفافية والمساءلة والمشاركة المجتمعية فيما يتعلق ببرك الأسماك الاصطناعية والأراضي الزراعية غير المصرح بها.

ويلعب المجتمع المدني دوراً حاسماً في الحفاظ على التوازن والعدالة عند التعامل مع برك الأسماك الاصطناعية والأراضي الزراعية غير المرخصة.

ويلعب المجتمع المدني دوراً حاسماً في الحفاظ على التوازن والعدالة عند التعامل مع برك الأسماك الاصطناعية والأراضي الزراعية غير المرخصة.

وأكد  الناشط البيئي صميم الفهد، وهو ناشط مدني مخلص من محافظة الأنبار وعضو مؤسس في حملة حماة الفرات، أهمية مشاركة المجتمع المدني في هذه الأمور. وبحسب الفهد، فإن المجتمع المدني له دور فعال في رصد وكشف الأنشطة غير القانونية أو الضارة بالبيئة. علاوة على ذلك، يلعب المجتمع المدني دورًا محوريًا في رفع الوعي البيئي وتعزيز مشاركة المجتمع في عمليات صنع القرار المتعلقة ببرك الأسماك الاصطناعية والأراضي الزراعية غير المرخصة.

ضرورة الاصلاح

ومن المتوقع أن يتجاوز الطلب على المياه في العراق العرض المتاح في السنوات المقبلة ، وهي حقيقة تؤكد الحاجة الملحة لإجراء إصلاحات كبيرة في قطاع المياه. ويشكل إجراء تقييمات دقيقة للعجز الوشيك في المياه تحديًا كبيرًا بسبب محدودية البيانات المتوفرة. ومع ذلك، يشير تقرير صادر عن معهد الطاقة العراقيإلى عجز محتمل قدره 10-20 مليار متر مكعب سنويًا بحلول عام 2030، وهو ما يمثل حوالي ثلث إجمالي الطلب على المياه في العراق.

لن تكون قرارات إدارة المياه بسيطة دائمًا. لبرك الأسماك والأراضي الزراعية غير المرخصة تأثير كبير على الموارد المائية في العراق. ويؤدي وجودها إلى آثار سلبية على التوازن العام للموارد المائية داخل البلاد. ومع ذلك، تلعب هذه البرك والأراضي الزراعية دورًا حيويًا في التنمية الاقتصادية وتوفر فرص العمل. فقط نوع الإجراء الشامل الموضح أعلاه سيكون قادرًا على حل المشكلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *